محمد بن جرير الطبري
172
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فيها إن في ذلك لآية يقول تعالى ذكره : إن في إحيائنا الأرض بعد موتها بما أنزلنا من السماء من ماء لدليلا واضحا وحجة قاطعة عذر من فكر فيه لقوم يسمعون يقول : لقوم يسمعون هذا القول فيتدبرونه ويعقلونه ويطيعون الله بما دلهم عليه . القول في تأويل قوله تعالى : ( وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ) يقول تعالى ذكره : وإن لكم أيها الناس لعظة في الانعام التي نسقيكم مما في بطونه . واختلفت القراء في قراءة قوله : نسقيكم فقرأته عامة أهل مكة والعراق والكوفة والبصرة ، سوى عاصم ، ومن أهل المدينة أبو جعفر : نسقيكم بضم النون . بمعنى : أنه أسقاهم شرابا دائما . وكان الكسائي يقول : العرب تقول : أسقيناهم نهرا وأسقيناهم لبنا : إذا جعلته شربا دائما ، فإذا أرادوا أنهم أعطوه شربة قالوا : سقيناهم فنحن نسقيهم بغير ألف . وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة سوى أبي جعفر ، ومن أهل العراق عاصم : نسقيكم بفتح النون من سقاه الله فهو يسقيه . والعرب قد تدخل الألف فيما كان من السقي غير دائم وتنزعها فيما كان دائما ، وإن كان أشهر الكلامين عندها ما قال الكسائي ، يدل على ما قلنا من ذلك ، قول لبيد في صفة سحاب : سقى قومي بني مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال فجمع اللغتين كلتيهما في معنى واحد . فإذا كان ذلك كذلك ، فبأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب ، غير أن أعجب القراءتين إلي قراءة ضم النون لما ذكرت من أن أكثر الكلامين عند العرب فيما كان دائما من السقي أسقى بالألف فهو يسقي ، وما أسقى الله عباده